محسن باقر الموسوي
370
علوم نهج البلاغة
السمع ، كما وأن الذوق السليم يألفها ولا يجد صعوبة في إدراكها . وأما أحكام نظمه فبأن تقع كل كلمة فيه موقعها اللائق بها بحيث تأتي كلماته متناسبة يأخذ بعضها برقاب بعض ، فلا يمكنك أن تضع يدك على كلمة وتقول : ليت هذه الكلمة تقدمت على تلك الكلمة أو تأخرت عنها . وأما انتظام دلالته فينعكس سريعا عندما يطرق اللفظ سمع الإنسان فيخطر معناه في قلبه وهو يتحقق بإخراج المعاني في قوالب جميلة محببة إلى النفس كالتشبيه والاستعارة والكناية المصحوبة بقرائن تجعل قصد المتكلم قريبا من فهم السامعين . أما دلالة الألفاظ على المعنى فهي وافية لأنها تؤدي صور المعاني التي يقصد المتكلم البليغ إفادتها للمخاطب على وجه أكمل . وقد أخذت بلاغة النهج بجميع تلك الأضلاع التي تتكون منها جمالية البلاغة . وهذا ما يميّز بلاغة النهج عن النصوص البلاغية الأخرى فبالإضافة إلى ما ذكرنا بأن مصدر هذه البلاغة هو أمير المؤمنين عليه السّلام المتصف بالصفات العالية ، فكلما واجهنا نص من نصوص نهج البلاغة واجهتنا شخصية الإمام حيث نتحسس وجوده من خلال تلك الكلمات التي قالها قبل عدة قرون وهي لا زالت حية نابضة حتى يومنا هذا . ذلك لأنها تخاطب العواطف البشرية والوجدان الإنساني والعقل الناضج ، وهذه الأمور لا تتغير بتغير الزمان والمكان . إنّ أهم أسباب جمالية البلاغة عند أمير المؤمنين عليه السّلام أنه تكلم بما كان يجب عليه الكلام في وقت الكلام ، إذ اتصف الظرف الذي عاشه عليه السّلام بالاضطرابات والصراعات وبكثرة الأعداء وبالتناقضات الاجتماعية الكثيرة ، لذا جاء خطابه متناسبا وذلك العصر . فقد جاء كلامه متضمنا للعنصر الفكري ممزوجا بالعنصر العاطفي مزجا عادلا . فكان الإمام عليه السّلام كالصيدلاني الذي يقوم بتركيب عقار من مواد يجمعها بأحجام ومقادير متناسبة . كان الإمام في خطاباته يمزج الفكر بمقدار يناسبه من العاطفة ليأتي خطابه مؤثرا فاعلا سريع التأثير فقد كانت ظروفه عليه السّلام تفرض عليه نمطا خاصا من البلاغة . فالصراعات الطويلة والحروب المديدة بحاجة إلى خطاب خاص قادر على التعبئة